مريم العقربي تكتب:”تساقط الأقنعة … الانتحار السياسي للنهضة”..

منذ تفعيل الفصل ثمانين من قبل قيس سعيد، و تونس تشهد موجة من ردود الأفعال الخارجية تمثلت أساسا في بيانات لسفارات و وزارات خارجية الدول، غير أن بعضها فضّل الزيارات الدبلوماسية و لعلّ الشقيقة الجزائر كانت أول الزائرين ممثّلة في وزير خارجيتها رمطان لعمامرة يوم ٢٧جويلية، الذي حمل رسالة شفوية للرئيس التونسي قيس سعيد من نضيره الجزائري عبد المجيد تبون. و شهدت تونس بعدها عدة زيارات دبلوماسية آخرها زيارة الوفد الأمريكي الذي كان يحمل رسالة خطية من الرئيس جو بايدن، حيث صدر بيان في ما بعد عن الخارجية الأمريكية تؤكد فيه دعم الرئيس بايدن للشعب التونسي و حثه على العودة السريعة إلى مسار الديموقراطية البرلمانية و التعبير على ضرورة تعيين رئيس وزراء مكلف بتشكيل حكومة قادرة على معالجة الازمة الاقتصادية و الصحية العاجلة التي تواجهها تونس و تمت الإشارة أيضا في نص البيان إلى خلق مناخ مناسب للحوار حول جملة من الإصلاحات الدستورية و الانتخابية المقترحة من الشعب التونسي.

خلق هذا البيان موجة من الإستنكار في صفوف التونسيين و اعتبره البعض تدخلا صارخا في الشأن الداخلي و تعدّ على سيادة الدولة، و ذهب البعض الآخر إلى إتهام بعض الأطراف السياسية بالإستقواء بالأجنبي ضد أبناء الوطن، خاصة بعد الهفوات المتتالية لحركة النهضة و قياداتها، و نخص بالذكر الحملة الممنهجة التي يقودها القيادي رضوان المصمودي بالولايات المتحدة و حثّه المتواصل لقطع إمداد تونس بالتطعيم بإعتبار أن أمريكا لا تدعم المنقلبين و الحال أنها لليوم لم تُدن بعد ما فعله قيس سعيد و لم تعتبره إنقلاب.

تجدر الإشارة أيضا إلى تصريح راشد الغنوشي ل”كوريرا دي لاسيرا” الإيطالية الذي هدد فيه بعودة الإرهاب و العنف إذا لم يتراجع قيس سعيد عن الإجراءات الإستثنائية، و أن إيطاليا ستغمرها موجة من المهاجرين حوالي ٥٠٠ ألف تونسي في ضرف قصير، و عبّر الشارع التونسي عن إستنكاره لمثل هذه التصريحات و إعتبر أن الشيخ عمد إستعمال التهديد و الوعيد للاتحاد الأوروبي قصد الإستنجاد به لحل نزاع داخلي و هذا مرفوض.

في خضم الحملة الإعلامية التي تشنها عائلة الغنوشي و قيادات الحركة ضد إرادة الشعب التونسي في وسائل إعلام خارجية معيّنة دون غيرها في فترة مفصلية و عصيبة تمر بها البلاد، تزامنت مع موجة من الإشاعات المثيرة للسخرية نُشرت قصد بثّ الفوضى و تقليب الرأي العامّ و زعزعة ثقة المواطن بمؤسسة الرئاسة، تفطّن نشطاء على مواقع التواصل بنشر وزارة العدل الأمريكية لعقد لوبينغ جديد لحركة النهضة مع مجموعات ضغط، وقّع في ٢٨ جويلية أي بعد قرارات قيس سعيد بثلاثة أيام و نُشر بتاريخ ٣ أوت ٢٠٢١. تهدف عقود اللوبينغ أساسا إلى التأثير على صناعة القرار و سعت حركة النهضة من خلال هذا العقد و هو ليس الأول من نوعه إلى الضغط على قيس سعيد من خلال التوسّط عند السّاسة الأمريكيين و تقديم الدعم لهم على مواقع التواصل و هو ما يُفسّر الحملة الغير مسبوقة على تويتر التي لا وجود لها على أرض الواقع.

لقد زاد هذا العقد من صعوبة موقف حركة النهضة خاصة و أن قانون الأحزاب بتونس يشترط الشفافية و يمنع مثل هذه التعاقدات خلسة، و أنكرت الحركة تورطها كالعادة ممّا أثارة سخرية الشارع التونسي إذ إعتاد المواطن على تملّص النهضة من مسؤولياتها و في المقابل أذنت النيابة العمومية بفتح بحث في هذا الشأن.

تتالت الهفوات بعد ٢٥ جويلية، و أصبحت أقرب إلى السقوط الأخلاقي من الفشل، مما أفقد الحركة ما بقي لها من رصيد سياسي في تونس حتى أن البعض تحدث عن إنتحار سياسي خاصة بعد حدوث إنشقاق داخل الحركة و انسحاب بعض القيادات من مجلس شورى المنعقد يوم ٤ أوت ٢٠٢١ و كل ما تلاه من تصريحات متضاربة لعل أبرزها تصريح يمينة الزغلامي ” لن أكون شاهدة زور” مما يعزّز نظرية الأزمة الداخلية الغير مسبوقة داخل النهضة.

و قد كان التدخّل الأمريكي في الشأن الداخلي لتونس تحت تصفيق الإخوان و من والاهم العامل الأكثر إستفزازا للشعب التونسي ما أفقد الحركة كل ما يربطها بناخبيها ألا و وهو الإنتماء و الولاء للوطن.

أخذت النهضة فرصتها في الحكم و لم تقنع، عشر سنوات متتالية من الفشل توّجتها بعجزها عن إدارة أزمة الوباء و ما إنجر عنها من صعوبات إقتصادية أوصلت البلاد إلى نفق مضلم على جميع الأصعدة، تحرّك الشعب كنتيجة لذلك لإسترجاع ثورته التي وقع الإلتفاف عليها، وكله وعي بدقّة المرحلة التاريخية حاملا مطالب واضحة ترتكز أساسا على محاسبة الفاسدين و إجتثاثهم من السلطة و فتح ملفات التسفير و الإغتيالات، ثم التأسيس لنظام جديد و لم لا جمهورية ثالثة خالية من الانتهازيين.

على كل سياسي في تونس شارك من قريب أو من بعيد في بناء منظومة ٢٠١١ ان ينقد نفسه و يراجع مواقفه عوض الانتظار كيف ستكون المواقف الخارجية فتونس دولة ذات سيادة و كل تدخّل خارجي مرفوض قطعا.