ماذا فهمنا من خطاب قيس سعيّد اليوم وماذا يجب أن نفهم ؟

Sharing is caring!

شاهد التونسيون وهم في حيرة من امرهم خطاب رئيس الجمهورية امام مجلس الامن القومي اليوم ، ولسان حالهم يسأل عن مغازي هذا الخطاب المطوّل امام ضيوف يحضرون مجتمعين لاول مرة امامه وببث مباشر على القناة الوطنية .
الجواب ليس سهلا لان رئيس الجمهورية اضاف تعقيدات اخرى الي تعقيدات الواقع منها ما هو سياسي واخر قانوني .
من حيث الحضور ظهر بشكل لافت في اللقاء حضور كل من رئيس المحكمة الادارية ورئيس محكمة المحاسبات، وكلاهما عضو بالهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين التي تنظر فى شرعية القوانين الني يصدرها البرلمان وفي الطعون التي تستهدف اعمال الوزراء والحكومة وحتى الاوامر الرئاسية بالنسبة للمحكمة الادارية والرقابة علي التصرف بالنسبة لمحكمة المحاسبات .
حضورهما لاول مرة بمجلس الامن القومي يعني اولا ان الرئيس يعتبر التحوير الوزاري مسّا من الامن القومي لتونس وهو امر قد لا يشاطره الرأي فيه كثيرون ،كما ان اقحام القضاة فيه لا يمثل مسا من مبدأ تفريق السلط الذي يقوم عليه النظام السياسي التونسي .
هذا الحضور لا بد ان يحرك سواكن رجال القانون لان مبدأ فصل السلط يمثل قاعدة ذهبية في كل نظام ديموقراطي لا يجوز المساس به في مطلق الاحوال. ذلك ان بعض الطعون التي قد تسلط علي التحوير الوزاري وما يمكن ان يرافقه من اجراءات تكون من مشمولاتهم بصفاتهم المباشرة او ضمن لجنة مراقبة دستورية القوانين .

ولا يجوز لهم البت فى النزاع الا بعد ابداء الراي وقبل عرض الطعن عليهم وحتي الحالات الاستشارية محددة بالنص .
كما ان حضور السيدة سامية عبو التي تنتمي الي المجلس الذي يمثله رئيس المجلس قانونا يمثل نقطة الاستفهام الثانية فى التساؤل السياسي خاصة ان مكتب المجلس يمثل وحدة قانونية لا يمكن تجزئة اعماله . فضلا عن ان النواب مدعوون الي ابداء رأيهم فى التحوير الوزاري بعيدا عن كل تجاذب بين رأسي السلطة التنفيذية وباستقلالية تامة عنها وهو ما يعتبر دورا رقابيا للمجلس النيابي .
حضور القضاة والسيدة عبو مثّلا منعرجا خطيرا من حيث الرمزيات السياسية وذلك يعني ان الرئيس سيعد قرر خوض المعركة الحاسمة مع رئيس وزرائه الذي عينه هو ليكون رجله في هذه المرحلة .ولكن جرت الرياح بما لم يشته سعيد .
من الناحية القانونية اثار سعيد عديد النقاط التي تمس جميعها من مصداقية دستورية التحوير .
النقاط التي اثارها ويمكن اعتبارها معروفة سلفا من قبيل تمرير التحوير علي البرلمان من عدمه لا تشكل خطورة خاصة اذ يمكن تلافي بعضها مثل ماتم مساء اليوم من عرض هيكلة الحكومة الجديدة على مجلس الوزراء ،او عرض التحوير علي المجلس والذي اصبح عرفا محمودا وان لم ينص عليه الدستور صراحة .
اما اخطرها علي الاطلاق فهو اعلانه الواضح رفضه توجيه دعوة أداء اليمين الى اعضاء الفريق المقترح المحرزين علي ثقة البرلمان لاداء اليمين .
وهو ما يمكن اعتباره حق نقض دستوري لسعيد علي قرار البرلمان ورئيس الحكومة .
بالنتيجة سعيد هدد بعدم صدور الامر الرئاسي بعضوية الحكومة لبعض الاعضاء وعددهم اربعة لتضارب المصالح او نشر دعوى ضدهم .
هذا التوجه سيضع الحكومة امام امتحان صعب وخاصة الوزراء الذين لم يأدوا اليمين ،فمباشرتهم لعملهم ليس امرا محسوما والقرارات التي يصدرونها ستكون محل طعن امام الهيئات القضائية المختصة واولها المحكمة الادارية وايضا دائرة المحسبات ذات الرقابة المالية المباشرة على الحكومة وعل الوزارات .
هذه السابقة ان وقعت تكون اقرب الي سابقة عدم امضاء رئيس الجمهورية الاسبق الاستاذ قائد ااسبسي لقانون الاقصاء ااشهير .
منعطف الصراع اصبح حادا ويهدد مؤسسات الدولة بجدية غير مسبوقة ويحيلنا الى فراغ كبير ومرده الانخرام التام لنظام ذو الرؤوس المتعددة و ليس فقط صراع المساحات الفارغة صلب السلطة التنفيذية .
السؤال القانوني لماذا لا يطرح الرئيس مبادرة حجب الثقة عن الحكومة كما يقتضيه الدستور عوضا علي الصراع الظاهر فى وسائل الاعلام بما يعطل مؤسسات الدولة .؟؟