العروشية في تونس : أزمة سلطة أم أزمة مجتمع ؟

Sharing is caring!

بقلم/ محمد ذويب كاتب وباحث دكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية.

إن الدارس أو المتتبع لظاهرة العروشية في تونس منذ التاريخ الحديث إلى الأني الراهن يلاحظ بما لا يدعو للشك أنها نتاج أزمة خيارات سياسية سلطوية بالأساس وهذا عائد تاريخيا لعزف السلطة على هذا الوتر الحساس ومحاولتها توظيف هذه الظاهرة بشكل أو بأخر وفق ما يخدم مصلحة الحاكم لا ما يخدم مصلحة المحكوم.

ففي القرن التاسع عشر كانت سلطة البايات تشق صفوف العروش وتحاول إذكاء جذوة الصراع بينها لمنع إنشاء الكنفدراليات والتحالفات القبلية التي من شأنها أن تقلق السلطة في صورة حدوثها. فكانت السلطة تعفي بعض القبائل ذات العدد الكبير من الفرسان من الضرائب والجباية مقابل الاستعانة بها على جمع الاتاوات من بقية القبائل الأخرى أو تأديب بعض القبائل المتمردة وخضد شوكتها كلما فكرت في مواجهة السلطة ةشق عصا الطاعة وذلك لأن السلطة وأعوانها يعون جيدا أن توحد القبائل قد يقوض سلطة الباي مثلما كاد يحدث ابان انتفاضة علي بن غذاهم 1864 عندما نجح ” باي الشعب ” في جمع أكبر عدد من القبائل حوله وكاد ينجح في إسقاط سلطة الباي لولا عدة أسباب ساهمت في إجهاض هذه الإنتفاضة.

مع بداية الإحتلال الفرنسي للبلاد التونسية وبعد عمليات رصد ودراسة كبيرة أعدها أنتروبولوجيين وعلماء إجتماع ومؤرخين ورحالة فرنسيين جمعت إدارة الاستعلامات الفرنسية كم هائل من المعطيات القبلية مما مكن فرنسا من تركيز قاعدة بيانات صلبة تحتوي على كل ما يخص البنى القبلية والسوسيولوجية للعروش والقبائل التونسية والعلاقات التاريخية بينها. سعت فرنسا بعد تركيز سلطتها وفرض الأمن في البلاد التونسية إلى المحافظة على نفس المنظومة وذلك بمغازلة القبائل المخزنية الكلاسيكية واعطتها صلاحيات واسعة لضبط الأمن وجمع المجبى ومراقبة الحدود بالنسبة للقبائل الطرفية وسعت دوما إلى شق صفوف القبائل بين فينة والأخرى وبطريقة أو بأخرى لضرب الأطر المرجعية الموحدة لهذه الهياكل مما مكنها من إنتاج مجتمع متشظي une société atomisée مستغلة في ذلك حالة تدني الوعي العام للتونسيين أنذاك وحالة الضعف والوهن الإقتصادي والاجتماعي الذي يساهم في تفكير كل مجموعة في وضعيتها الخاصة دون الالتفات إلى بقية القبائل.

بعد الاستقلال أو ما يعرف بالدولة الوطنية حاول بورقيبة تطوير الوعي العام للتونسيين عبر تعميم التعليم وبناء المدارس لكن مسار التحديث في تونس كان متسرعا ومسقطا ولم يتم تدارسه جيدا وبعمق فأفرز حداثة معطوبة ومشوهة قابلة للانفجار في أي لحظة بل أن الحزب الحاكم أنذاك قد وظف هذه الظاهرة لخدمة أجنداته السياسية وذلك باستمالة أعيان ووجهاء القبائل والعروش لضمان ولاء هذه الجماعات وارضاءها واستغلال متساكنيها كأرقام انتخابية عند كل محفل انتخابي وهو أمر تواصل مع نظام السابع من نوفمبر الذي تعامل مع العروش برلمانيا بنظام الحصة ( كوطا ) حسب النفوذ المالي والديمغرافي لكل عرش.

بعد 2011 لم يتغير شيء تقريبا فأغلب الأحزاب كانت تستعين برؤساء قوائم من عروش ذات عدد كبير من الناخبين وهذا ثابت ومؤكد لأن كل الأحزاب والحكومات تعي جيدا أن صوت القبيلة يرتفع خاصة في المناطق الداخلية أعلى حتى من صوت الدولة. فعلى سبيل الذكر وفي الإنتخابات الرئاسية الأخيرة حصل عديد المترشحين على أكبر عدد من الأصوات في الولايات التي ينحدرون منها فمثلا لطفي المرايحي تصدر في القصرين والصافي سعيد في قفصة وعبد الكريم الزبيدي في الساحل ونبيل القروي في بنزرت وسيف الدين مخلوف في تطاوين ( أمه أصيلة تطاوين ) كل هاته الأرقام والمعطيات تؤكد تورط الفاعلين السياسيين في تكريس هذه الظاهرة بطريقة أو بأخرى.

رغم بعض الديناميكية الإجتماعية التي يشهدها المجتمع التونسي بمرور الزمن ورغم دور بعض الجمعيات والمنظمات في تقويض ظاهرة العروشية والقبلية فإن صوتها لازال عاليا لأن من حكموا البلاد التونسية منذ العصر الحديث إلى اليوم لم تكن لهم الرغبة والإرادة السياسية الحقيقة في القضاء على هذه الظاهرة ووأدها نهائيا بقدر رغبتهم في توظيفها واستغلالها بطرق شتى فظاهرة القبيلة اذا هي أزمة خيارات سياسية سلطوية أكثر منها ظاهرة مجتمعية.