مقال رأي/ شاهد على الكسر …

Sharing is caring!

في مطلع هذا القرن بلغ الوهن درجة عالية من الدولة الوطنية التي انتصبت بعد الاستقلال بقيادة زعماء الحركة التحريرية…أصبح عمرها يناهز الخمسين سنة،  و قد تاكلت  شرعيتها المستندة إلى مواجهة الاستعمار و بناء الأمة و خوض معارك التنمية…و لم تقدر هذه الدولة على تجديد نخبها  الحاكمة التي كانت لا تغادر مواقع السلطة إلا بفعل الموت أو الإطاحة لأنها متشبثة بحماية المصالح التي راكمتها و هي في مواقع القرار. ثم إن هذه النخب دخلت في صراعات داخلية أدت إلى إضعافها و انقسامها و تناحرها عبر مراكز نفوذ و مجموعات ولاء لها امتدادات في مختلف مستويات الحكم و في الأجهزة الحكومية و الحزبية…كما أن فكرة الوحدة القومية التي كانت تشهر في الأزمات فقدت بريقها و قدرتها على التجميع و التعبئة..بل إن المنظمات الاجتماعية اتجهت نحو إعلاء الروابط و المصالح الداخلية و طورت خطابا نقديا رسم تباينا ملموسا مع الحكم..و ترهل الحزب الحاكم بعد أن غالب افوله الذي بدأ من السبعينات..و لم يعد يشكل سوى جسما ظاهره سياسي و باطنه الحفاظ على المصالح و قضاء الشؤون الخاصة…كان هذا مشهدا باهتا لا طعم له في بداية الألفية الثالثة…و كانت السلطة تنحصر لتتجمع بأيدي قليلة لا صلة لها بالسياسة…بل إنها أصبحت تنتدب السياسيين لخدمتها و السهر على مصالحها و تدريبها على النهب المقنع بمظاهر قانونية تمكنها أيضا من التسرب إلى دواليب الدولة…و لم يمنع ذلك من بروز تيارات نقدية داخل الدولة باجهزتها…كان هناك وزراء لا يتورعون عن إبداء انزعاجهم من الممارسات الهجينة و التوجهات الخاطئة…و يحدث أن تزور أحدهم فيعبر لك صراحة عن عدم رضاه لكن حديثه يكون خافتا بعد أن يبادر بفتح جهاز التلفزيون عله يشوش إمكانية التنصت….انعدمت الثقة و تفشى الارتياب….أما عن الانترنات فحدث ولا حرج…يكاد يكون لكل وزير مستشار مختص في الإعلامية يمكنه من الاطلاع على ما يكتب عن النظام و البلاد …و يحمل له منشورات المعارضة من مجلة الجرأة إلى تونس نيوز….و في صلب الحزب الحاكم ذاته كانت الريبة تسري بين الجميع…بل إن الطابق الأول من دار الحزب أصبح مخصصا  بالكامل لضابط أمن كبير يتلصص على الجميع …كان هناك وزراء لهم شجاعة نادرة جعلت دوائر العائلات المتنفذة لا تقترب منهم لتطلب الامتيازات لكنهم قلة قليلة و تخضع للهرسلة المقنعة….و في دوائر تسيير الدولة كانت الإطارات العليا تتشبث بطابعها التقني لتفلت من الاحتواء…و ساعد ذلك على المحافظة على الأسس التكنوكراطية الاساسية لاجهزة الدولة….كان جل التونسيين يعرفون ما يجري على الساحة و كانوا يتداولون النكات الساخرة ….من ذلك الكلب التونسي و الكلب الجزائرى اللذان التقيا  في مركز عبور حدودي…فسال الكلب التونسي زميله الجزائرى : لماذا انت قادم إلى تونس؟ فقال له إننا ضقنا ذرعا بحالة الندرة و التقشف في بلادنا و نتمنى أن ننعم مثلكم بالوفرة و الرخاء…إنهم لا يسمحون لنا سوى بحرية النباح….و أنت لماذا تقصد الجزائر و قد حدثتك عن حالتها…فقال الكلب التونسي الذي يبدو في صحة جيدة…يا أخي اريد ان انبح بحرية…فاذهب أنت للأكل و لاذهب أنا للنباح الحر….كان هناك مناخ محتقن لكنه مخفي…و كان الشباب لا يكتم غضبه في أحيان كثيرة…و كم من أهازيج هزت الملاعب الرياضية وهي توجه النقد المباشر للدولة و العائلات المتنفذة…و كم من اغاني ساخطة تمرر بين الأيادي خفية…و كم من فنان أرسل إيحاءات تنديد و سخرية…كان عشرات الآلاف من الشباب المتعلم يتوق إلى الشغل دون جدوى…فيهم من شارف على الأربعين دون أن ينعم بيوم عمل واحد…و كان يرى الخيرات بعينيه و لا يقدر عليها…كان هناك إحباط بل يأس خطير يستشري في صفوف الشباب الذي تبخرت أحلامه و أحلام أسرته التي انتظرت طويلا تخرجه ليعمل و يساهم في مساعدتها…..كانت هناك وفرة ظاهرية تخفي احتكار الثروة من طرف فئة قليلة و تراجعا ملموسا للطبقة الوسطى و تذمرا صامتا للشرائح الشعبية…كان هناك تفكك مستفحل في البنى الاجتماعية و الأسرية دفع الناس إلى النقمة الدفينة و الهروب إلى التدين…و كان النظام يحاول التجاوب مع هذا المظهر باضفاء مسحة دينية على سلوكيات أسرة الرئيس و اصهاره….لكن المخيال الشعبي لم يستوعب ذلك و كثيرا ما أثار سخريته….في يوم السوق الأسبوعية لقريتي في بداية الألفية الثالثة ذهبت لحظور دفن قريب فاكتشفت هول الفقر المرتسم على ملامح الناس…كانوا يرتدون اسمالا تشبه الملابس و كانت وجوههم بائسة تكاد تخلو من قطرة دم…كانوا متجهمين تكاد لا تظفر بابتسامة في صفوفهم….أصابني الهلع و الذعر..و شعرت بخيانة هذه الجموع التي ترعرعت بينها و كبرت في أحضانها….و عندما رجعت إلى العمل قلت للوزير و كان رجلا مثقفا ووطنيا وواعيا بما يحدث في البلد…ان المجتمع التونسي مهمل و متروك لشانه..و قصصت عليه قصة قريتي و قد اعتبرتها عينة حية….قلت له هناك قنبلة موقوتة تنتظر القادح الذي لن يتأخر و لا بد من تدارك الأمر…قال لي سأحكي مع أصحاب القرار…..و بعد أيام قال لي لقد اعلمت الوزير الأول فقال إنه يعلم ذلك!!!!و في سنة 2009  استضافت تونس ندوة رسمية دولية  و خصص للمشاركين نزل في قلب العاصمة….قال لي أحد المشاركين الأوروبيين لم أكن أظن أن البلاد كئيبة لهذه الدرجة رغم استتباب الأمن…..كنت خجلا مما أراه و لا أستطيع أن أجد له المبررات…و في ديسمبر سنة 2010 قال لي صديقي الذي يعمل برئاسة الجمهورية…إنني أقوم بإجراءات سفر الرئيس و عائلته إلى الإمارات بعد أن كانت مبرمجة إلى جزيرة تركية….إنهم يحملون معهم أموالا طائلة…و ربما زارهم للغرض محافظ البنك المركزي!!! أدركت أن البلد يغرق و ينزل إلى القاع و ان كسرا حصل و يصعب إصلاحه.

س.ب